الدكتورة سوسن حموش: حقن أقل، ولكن حقن أفضل، الفلسفة الجديدة للطب التجميلي
عائشة لوجاني
شهد الطب التجميلي خلال السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا. فإذا كان الهدف في الماضي يتركز بشكل أساسي على ملء التجاعيد واستعادة الأحجام المفقودة، فإن التوجه الحديث أصبح مختلفًا: الحفاظ على هوية الوجه، واستعادة توازنه وانسجامه، مع الحصول على نتيجة طبيعية وأنيقة.
اليوم، لم يعد السؤال فقط: «ما المادة التي سنحقنها؟»
بل أصبح السؤال الأهم: «ما الذي يحتاجه هذا الوجه فعلًا؟»
من التعبئة إلى الاستعادة
شيخوخة الوجه عملية معقدة لا تقتصر على الجلد وحده. فمع مرور الوقت، تحدث تغيرات في جودة البشرة، وتوزيع الدهون وحجمها، إضافة إلى تغيرات في البنى العميقة للوجه والعضلات والأربطة، مما يؤدي تدريجيًا إلى تغير نسب الوجه وملامحه.
لذلك، فإن علاج تجعيدة واحدة أو منطقة واحدة بشكل منفصل لا يؤدي دائمًا إلى نتيجة متناغمة.
أما المقاربة الحديثة فتعتمد على فهم الوجه ككل، وتحديد العناصر المسؤولة عن مظهر التعب أو علامات التقدم في السن.
فالهدف ليس ملء كل شيء، وإنما استعادة ما فقده الوجه عندما يكون ذلك ضروريًا.
الـ Full Face: النظر إلى الوجه كمنظومة متكاملة
يبدأ الحقن الناجح قبل فتح المحقنة.
يجب أن يشمل تقييم الوجه دراسة نسبه، وشكله، وعدم التناسق الموجود، وجودة البشرة، وتوزيع الأحجام، إضافة إلى التغيرات المرتبطة بالعمر.
فمعالجة منطقة معينة، مثل عظمتي الوجنتين أو منطقة تحت العين أو الشفاه أو خط الفك، يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على الانسجام العام للوجه.
لذلك أصبح التفكير الحديث يعتمد على التوازن الشامل للوجه بدل التعامل مع كل منطقة وكأنها منفصلة عن باقي الوجه.
وهذا النهج يساعد أيضًا على تجنب الإفراط في استخدام المنتجات أو تراكم الأحجام غير الضرورية.
حقن أقل… بدقة أكبر
كمية المادة المحقونة لا تحدد جودة النتيجة.
فأحيانًا يمكن لكمية صغيرة، يتم وضعها بدقة وفي المكان المناسب، أن تعطي نتيجة أكثر أناقة وطبيعية من استخدام كميات كبيرة.
لهذا أصبح الطب التجميلي الحديث يعتمد على الدقة، والاعتدال، والتخصيص.
فلكل مريض تشريحه الخاص، وملامحه الخاصة، وتوقعاته المختلفة. وبالتالي، لا يمكن تطبيق نفس التقنية أو نفس الكميات على جميع الوجوه.
اختيار المنتج جزء أساسي من العلاج
يبقى حمض الهيالورونيك من أهم الأدوات في الطب التجميلي، إلا أن الخيارات أصبحت اليوم أكثر تنوعًا، مع وجود منتجات وتقنيات مختلفة تهدف إلى استعادة الحجم أو تحسين جودة البشرة أو تحفيز إنتاج الكولاجين.
ويجب ألا يعتمد اختيار المنتج على اسمه فقط، وإنما على المنطقة المراد علاجها، والتشريح، وحالة البشرة، واحتياجات المريض والنتيجة المطلوبة.
ففي بعض الحالات تكون استعادة الحجم هي الخيار المناسب، بينما قد يكون تحسين جودة البشرة أو تحفيز الكولاجين تدريجيًا هو الخيار الأكثر ملاءمة في حالات أخرى.
الحفاظ على هوية الوجه
من أهم تحديات الطب التجميلي الحديث تصحيح علامات التقدم في السن دون فقدان الخصائص التي تمنح كل وجه شخصيته وتفرده.
الشفاه يجب أن تبقى شفاه المريضة، والوجنتان يجب أن تحافظا على تناسقهما الطبيعي، والنظرة يجب أن تبقى حيوية ومعبرة.
فالهدف الحقيقي ليس بالضرورة أن يبدو الشخص أصغر سنًا، وإنما أن يبدو أكثر نضارة، وأكثر راحة وحيوية، وأكثر انسجامًا، مع الحفاظ على هويته الطبيعية.
السلامة أولًا
لا يمكن الحديث عن الطب التجميلي الحديث دون الحديث عن السلامة.
فالمعرفة الدقيقة بتشريح الوجه، وخاصة التشريح الوعائي، ومعرفة المستويات التشريحية، واختيار الحالات المناسبة، واستخدام التقنيات والمنتجات بشكل صحيح، إضافة إلى القدرة على التعرف على المضاعفات والتعامل معها، كلها عناصر أساسية في ممارسة آمنة ومسؤولة.
فالحقن التجميلي إجراء طبي، ويجب أن يتم بعد استشارة وتقييم شامل للمريض، مع دراسة تاريخه الطبي وتوقعاته والتأكد من عدم وجود موانع للعلاج.
نحو طب تجميلي أكثر عقلانية
أصبح المرضى اليوم يبحثون بشكل متزايد عن نتائج طبيعية وناعمة وغير مبالغ فيها. وهذا التغيير في رغبات المرضى يواكب تطور الطب التجميلي نفسه:
تحول من التغيير إلى الاستعادة، ومن الإفراط في الحجم إلى تحقيق الانسجام، ومن الحلول الموحدة إلى العلاج الشخصي.
وفي النهاية، فإن الحقن الأفضل لا يعني فقط استخدام كمية أقل من المنتج، بل يعني قبل كل شيء:
أن نلاحظ أكثر، ونحلل بشكل أفضل، ونختار بدقة، ونحترم تشريح الوجه وخصوصية كل مريض.
فأجمل نتيجة تجميلية ليست بالضرورة تلك التي يلاحظها الآخرون.
بل هي تلك التي تجعل المريض يشعر بأنه أفضل في مظهره، مع بقائه هو نفسه